الخطيب الشربيني

25

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

يفطر به . قال صلّى اللّه عليه وسلم في البحر : « هو الطهور ماؤه الحل ميتته » « 1 » أراد به المطهر فالماء المطهر ؛ لأنه يطهر الإنسان من الحدث والخبث . وذهب بعض الأئمة إلى أن الطهور هو الطاهر حتى جوّز إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة مثل الخل ، وردّ بأنه لو جاز إزالة النجاسة بها لجاز إزالة الحدث بها ، وذهب بعض منهم إلى أن الطهور ما يتكرر به التطهير ، كالصبور اسم لمن يتكرر منه الصبر ، والشكور اسم لمن يتكرر منه الشكر ، حتى جوّز الوضوء بالماء الذي يتوضأ به مرة بعد مرة وردّ بأن فعولا يأتي اسما للآلة كسحور لما يتسحر به كما مر فيجوز أن يكون طهور كذلك ، ولو سلم اقتضاؤه التكرر فالمراد جمعا بين الأدلة فإن الصحابة رضي الله عنهم لم يجمعوا الماء في أسفارهم القليلة الماء ، بل عدلوا عنه إلى التيمم ثبوت ذلك لجنس الماء أو في المحل الذي كان يمر عليه فإنه يطهر كل جزء منه . لِنُحْيِيَ بِهِ أي : بالماء بَلْدَةً مَيْتاً أي : بالنبات وذكر ميتا باعتبار المكان وَنُسْقِيَهُ أي : بالماء وهو من أسقاه مزيد سقاه وهما لغتان قال ابن القطاع : سقيتك شرابا وأسقيتك ، والله تعالى أسقى عباده وأرضه مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً أي : إبلا وبقرا وغنما وَأَناسِيَّ كَثِيراً جمع إنسان وأصله أناسين فأبدلت النون ياء وأدغمت فيها الياء أو جمع أنسي وقدم تعالى النبات ؛ لأن به حياة الأنعام ، والأنعام على الإنسان ؛ لأن بها كمال حياته فإن قيل : لما خص الأنعام من بين ما خلق من الحيوان ؟ أجيب : بأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام ولأنها قنية الأناسي وعامة منافعهم متعلقة بها ، فكان الإنعام عليهم بسقي أنعامهم كالإنعام بسقيهم . فإن قيل : لما نكر الأنعام والأناسي ووصفها بالكثرة ؟ أجيب : بأن جل الناس منيخون بالقرب من الأودية والأنهار ومنابع الماء فبهم غنية عن سقي السماء وأعقابهم ، وهم كثير منهم لا يعيشون إلا بما ينزل الله من رحمته وسقيا سمائه ، وكذلك قوله تعالى : لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً [ الفرقان ، 49 ] يريد به بعض بلاد هؤلاء المتبعدين عن مظان الماء ، واختلف في عود الهاء في قوله تعالى : [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 50 إلى 63 ] وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ( 50 ) وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً ( 51 ) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً ( 52 ) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً ( 53 ) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً ( 54 ) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً ( 55 ) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 56 ) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ( 57 ) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً ( 58 ) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ( 59 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً ( 60 ) تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً ( 61 ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً ( 62 ) وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ( 63 )

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الطهارة حديث 83 ، والترمذي في الطهارة حديث 69 ، والنسائي في الطهارة ، حديث 59 ، وابن ماجة في الطهارة حديث 386 ، والدارمي في الطهارة حديث 729 .